إذا كانت البطاقة الشخصية هي ما يعرف به الفرد، فإن الباحثين ومراكز الأبحاث هي الهوية التي تعرف بها الأمم في المحافل الدولية؛ فبقدر ما تستثمرالأمة في عقول باحثيها، بقدر ما يكون اسمها لامعا ومحترما و عائدها المادي و المجتعي مرتفعا.
في مجال الموارد السمكية، تتمتع بلادنا بميزة فريدة، ويعتمد استغلال هذه الموارد على وجود علماء مؤهلين ولديهم الوسائل والمعدات الالزمة إذ إن علماء المحيطات والأحياء البحرية هم المحرك للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في قطاع الصيد الحيوي.
ففي الخلاصة الموجزة للتقرير العالمي التي يتم تحريرها من قبل منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو) واللجنة الأوقيانوغرافية الحكومية الدولية انطلاقا من اعتبارعدد الباحثين في علوم المحيطات نسبة إلى عدد السكان أحتلت موريتانيا الرتبة العاشرة، في عام 2017 متقدّمة على الولايات المتحدة الأمريكية وجمهورية كوريا الجنوبية، ومع أنها تراجعت في هذا التصنيف لعام 2020GOSR2020_IOC--UNESCO_ES_EN.pdf لكنها حافظت على الريادة على مستوي العالم العربي وهو ما يدل على الأهمية التي توليها السلطات الموريتانية لهذا القطاع الاستراتيجي لاقتصادنا الوطني، لكنه يوضح أيضا قدرتنا على اقتحام مجالات أخرى، فبالإضافة إلى الحوافز متعددة الأوجه، فإن دعم الدولة سيزيد بلا شك، خصوصا للمعهد الموريتاني لبحوث المحيطات والصّيد (IMROP)، مما يعطي جاذبية كبيرة لهذه البحوث لجيل جديد من العلميين الطموحين.
إن علماء المحيطات الموريتانيين مسؤولون أمام الله والتاريخ وأمام الدولة الموريتانية بوصفهم موظفين لديها، وكذلك الرأي العام والفاعلين المهتمين بالمجال، كما أن عليهم أيضا مسؤولية اتجاه العلم، من خلال نشر نتائج أبحاثهم، ضمانا لحضور أفضل على المستويين الجهوي والدولي. ومع ذلك، فإن الأبحاث العلمية الموجهة حسب الطلب، والمنفتحة بشكل كبير على الفاعلين الاجتماعيين، نادرا ما يتم نشرها في المِجلات العلمية المشهورة، وذلك نظرا لارتباط تلك البحوث كثيرا بالسياق المحلي وبالتالي بعدها عن النماذج العلمية العالمية السائدة التي تعتمد علي الموضة.
فالأمة التي لا تملك باحثين يبتكرون حلولاً لمشكلاتها مثلا في مجال مصائد الاخطبوط تظل تابعة لغيرها. لذا، فإن الباحثين هم من يمنحون الأمة بطاقة تعريف مستقلة، تمكنها من مواجهة الأزمات دون انتظار المعونة من الخارج.
في الاقتصادات الحديثة الأفكار هي العملة النادرة والأغلى. فالباحثون هم الذين يحولون المختبرات إلى مصانع والبيانات إلى ثروات. هذا الدور يجعل من الباحث المحرك الأساسي للتنمية المستدامة، وبدونه تظل الأمة خارج خارطة الوجود أحري المنافسة العالمية.
لم يعد رقي الأمم يقاس بمجرد الثروات الطبيعية (سمك، تنمية حيوانية، نفط، معادن)، بل اصبحت الدول التي تمتلك قاعدة بيانات وباحثين مرموقين هي التي تتصدرالمشهد العالمي، وتعرف بين الأمم بأنها أمة متقدمة.
إن النتائج التي تحققت في مجال البحث في الصيد البحري في بلادنا، سمحت تدريجيا بزيادة الوعي لدى مختلف الجهات الوطنية الفاعلة وكذلك لدى الشركاء الأجانب، حول الدور الأساسي لأبحاث المحيطات في التنمية الاقتصادية لقطاع مصايد الأسماك، والتي حققت نموا سريعا في السنوات الأخيرة، لذلك فإنه من الأهمية بمكان، أن يتم الحفاظ على هذا النموذج التطويري للباحثين في مجال علوم المحيطات وتوسيعه ليشمل مجالات استراتيجية أخرى، كالصّحة والتعليم والزّراعة والثروة الحيوانية.
وخلاصة القول ان تحويل نتائج بحوث المعهد الموريتاني لبحوث المحيطات والصّيد في هذه الايام من فكرة الى فوائد اقتصادية واجتماعية وبيئية مستدامة أنعكس على التنمية المجتمعية من خلال دعم القطاعات الإنتاجية بتوفير فرص العمل، وتحسين مستوى معيشة السكان.
ان العلم إذا لم يستفد منه ويطبق لن تكون له أهمية أو جدوى، ونعوذ بالله من علم لا ينفع.
محفوظ الطالب ولد سيدي باحث علمي
