في الوقت الذي تخطو فيه موريتانيا خطواتها الأولى نحو إضفاء الطابع المؤسسي على قطاعها الثقافي، لا يزال إنفاذ حقوق الملكية الفكرية يشكل تحدياً حقيقياً [1.1.8، 1.1.11]. ففي ظل تنامي القرصنة الرقمية، والفراغات القانونية، والتحفظات المجتمعية، سلط المنتدى الأول المستضاف في المعهد الفرنسي بموريتانيا (IFM) الضوء على أبرز العقبات التي تكبل عطاء المبدعين.
الفضاء الرقمي وفخ الهواية
يكمن التحدي الأبرز الذي يواجه الجيل الجديد من الموسيقيين في غياب التكوين والوعي القانوني؛ إذ ينتج العديد من الفنانين الشباب أعمالاً موسيقية ويوزعونها عشوائياً دون أي توجيه، مراهنين فقط على حصد الشهرة المؤقتة. وفي هذا الصدد، انتقد نجم موسيقى الهيب هوب ديدييه عوادي حالة الهواية السائدة، مؤكداً أن منصات البث الرقمي المباشر (Streaming) تستغل نتاج الفنانين الأفارقة بشكل مجحف دون علمهم ودون تقديم عوائد مالية، نتيجة لغياب التوثيق والتسجيل والعقود القانونية السليمة.
معضلة تفعيل آلية "النسخ الخاص"
من جانبه، أشار الخبير السنغالي عزيز دينغ إلى أن الثورة الرقمية قد حطمت النماذج الاقتصادية التقليدية لصناعة الفن. ورغم أن القانون الموريتاني الصادر عام 2024 يتضمن آلية تعويض رسوم النسخ الخاص (نظام الحقوق، الاستثناءات، والتعويضات) ويوسع نطاقها ليشمل فئتي الكتاب والصحفيين، إلا أن آليات تطبيقه التقنية لا تزال غير واضحة المعالم. ويرى دينغ أنه دون مراجعة شاملة للنصوص التشريعية والاستعانة بدعم فني من المنظمة العالمية للملكية الفكرية (الويبو)، يواجه هذا القانون خطر البقاء حبراً على ورق أمام واقع السوق المتسارع.
عبء القيود الاجتماعية والثقافية
إلى جانب الجوانب القانونية البحتة، تواجه الموسيقى الموريتانية حواجز نفسية ومجتمعية مستمرة. وقد تناول محمد ولد أبا، رئيس المجلس الموريتاني للمهنيين في الفنون، هذه القضية بصراحة، مشيراً إلى الخطابات المتشددة التي تسعى لشيطنة الموسيقى وتحريمها. ويُضاف إلى ذلك تأثير التراتبية الاجتماعية التقليدية التي لا تزال تصنف رواة القصص والموسيقيين التقليديين ("الغريوت") في مرتبة مجتمعية دونية، مما يعيق الاعتراف بالفن كمهنة نظامية ذات مردود اقتصادي معتبر.
صحوة شاملة لفرض الاحتراف والاعتراف
وفي مواجهة هذه التحديات المتراكمة، يطلق الفاعلون في القطاع الثقافي ناقوس الخطر؛ حيث يرى حامد لي (من استوديوهات أولباك) أن على الفنانين التوقف عن تقديم أعمالهم مقابل مجرد تأمين تذكرة طيران أو دعوة حضور عابرة. ويتمثل الرهان الأكبر لأفق عام 2027 في تغيير النظرة النمطية السائدة تجاه الفن في موريتانيا، بحيث يتحول العمل الإبداعي المحمي – أسوة بالمعايير الدولية – إلى إرث مستدام ومصدر عيش محترم لصاحبه



